الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

23

تفسير كتاب الله العزيز

الجحد والإنكار من أهل النار « 1 » . قال اللّه : ( وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) فانقطعت قصّة أهل الجنّة وأهل النار هاهنا . ثمّ ابتدأ الكلام فقال : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ : يعني المشركين بِكِتابٍ : يعني القرآن ومعنى ( جئناهم ) أي : جاءتهم به الرسل ، إنّه جاءهم به ، أي فجعل ما جاءتهم به الرسل أنّه جاءهم به ، أي بالرسل والكتاب « 2 » فَصَّلْناهُ : أي بيّنّا فيه الحلال والحرام ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد والأحكام عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) : أي هدى يهتدون به طريق الجنّة . ثمّ قال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ : أي ثوابه في تفسير الحسن وغيره . وقال مجاهد : جزاءه ، وهو واحد . قال : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ : أي ثوابه والجزاء به [ في الآخرة ] « 3 » يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ : أي الذين تركوه مِنْ قَبْلُ : أي في الدنيا ، أي : أعرضوا عنه . والإعراض من وجهين : أحدهما لم يؤمنوا به ، والآخر لم يعملوا بفرائضه وأحكامه . وهذا إعراض المنافقين . كقوله : وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا

--> ( 1 ) هذا الاحتجاج الذي جاء هنا استطرادا في هذه الفقرة غير موجود في مخطوطة ز . وأكاد أجزم أنّه للشيخ هود الهوّاريّ ، فهو إلى فكره أقرب ، وبأسلوبه أشبه . وسواء أكان له أو لغيره فإنّ صاحبه قد نزع في تأويل الآية منزعا بعيدا ، وتكلّف من الإعراب ما لا تحتمله الجملة ، إذ جعل « ما » في قوله تعالى : ( وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) نافية . وهي لا تعرب كذلك إلّا بتكلّف شديد وإغراب في الإعراب . ولم أجد - فيما بحثت - من أعربها نافية . والمفسّرون الذين تعرّضوا الآية جعلوا « ما » معطوفة على « ما » التي قبلها في قوله : ( كما نسوا لقاء يومهم هذا ) ؛ فيكون المعنى : فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ، وكما كانوا بآياتنا يجحدون . فتكون على هذا الإعراب كالأولى مصدريّة في محلّ جرّ . قال ابن الأنباريّ في كتابه : البيان في غريب إعراب القرآن ، ج 1 ص 364 : « ( ما ) الأولى و ( ما ) التي بعدها في تأويل المصدر ، وهي في محلّ جرّ بالكاف . وتقديره : فاليوم ننساهم كنسيانهم لقاء يومهم هذا . و ( ما ) الثانية في موضع جرّ بالعطف على ( ما ) الأولى » . وإلى هذا الإعراب ذهب أيضا الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير ، ج 8 ص 151 . وهذا في نظري هو التأويل الصحيح الأليق بكلام اللّه في يسره ووضوحه . وانظر تفسير الطبريّ ، ج 12 ص 476 ، وتفسير ابن الجوزيّ : زاد المسير ، ج 3 ص 209 . ( 2 ) كذا جاءت هذه الجمل مقطّعة مضطربة ، ومعناها أوضح من أن يحتاج إلى هذا الشرح الذي لا طائل تحته . ( 3 ) زيادة من ز ، ورقة 107 .